زهر البرتقال، المعروف في المغرب باسم «الزهر»، من أكثر النباتات رمزيةً في الطب التقليدي المغربي. ففي كل ربيع، تُقطف بتلات شجرة النارنج البيضاء يدوياً في بساتين نواحي فاس ومراكش وسوس، ثم تُقطَّر في القطّارة التقليدية لاستخلاص ماء الزهر الشهير. وهذا النبات أكثر بكثير من مجرد نكهة للحلويات، إذ يُستعمل منذ قرون لتهدئة التوتر العصبي، وتسهيل الخلود إلى النوم، وتخفيف عسر الهضم. إليك ما نعرفه عن تركيبته وفوائده وجرعته واحتياطات استعماله.

ما هو زهر البرتقال (الزهر)؟
زهر البرتقال هو الزهرة البيضاء الفوّاحة لشجرة النارنج، أو البرتقال المرّ، واسمها العلمي Citrus aurantium subsp. amara. وهي شجرة من الفصيلة السذابية، تُزرع في جميع أنحاء حوض البحر الأبيض المتوسط، وتنتشر بشكل خاص في المغرب وتونس ومصر.
ولا ينبغي الخلط بين المنتجات المختلفة المستخلصة من هذه الشجرة، لأنها لا تتشابه في التركيز ولا في طرق الاستعمال:
- الأزهار المجففة: تُستعمل منقوعاً، وحدها أو ممزوجة بنباتات مهدّئة أخرى.
- ماء الزهر (الهيدرولات): الماء الزهري المستخلص أثناء التقطير بالبخار، وهو لطيف جداً وضعيف التركيز.
- زيت النيرولي العطري: الزيت العطري المستخلص بتقطير الأزهار، وهو شديد التركيز ومرتفع الثمن.
- خلاصة البتيغرين (أوراق النارنج): تُستخلص من الأوراق والأغصان، ولا ينبغي الخلط بينها وبين النيرولي.
في المغرب، يُعدّ التقطير التقليدي للزهر حرفةً تتوارثها الأجيال. ويُعطّر ماء الزهر الحلويات والشاي والقهوة والبغرير وأطباق المناسبات، كما يُشرب مخففاً في كأس ماء لما له من آثار مُرخية.
تركيبة زهر البرتقال ومكوناته الفعالة
تعود فوائد زهر البرتقال أساساً إلى مركّباته العطرية المتطايرة، المتوفرة بكثرة في زيت النيرولي العطري. وأبرز المكونات الفعالة التي تم التعرف عليها هي:
- اللينالول: المركّب الرئيسي في النيرولي، ويمثّل عادةً ما بين 26 و42% من الزيت العطري. وإليه يعود معظم المفعول المُرخي.
- أسيتات اللينالِيل: إستر معروف بخصائصه المهدّئة والمضادة للتشنج.
- الليمونين: يوجد بنسبة 10 إلى 20%، ويمنح النفحة المنعشة ذات الطابع الحمضي.
- البيتا-بينين: من 6 إلى 18%، وله خصائص ملطّفة للجهاز التنفسي.
- النيروليدول والفارنيسول: كحولات سيسكويتربينية مفيدة للبشرة.
- ترانس-بيتا-أوسيمين: من 4 إلى 10%.
كما تحتوي الأزهار المجففة على فلافونويدات، أبرزها النيوهسبيريدين والنارينجين، إضافة إلى المركّبات المُرّة المميّزة لشجرة النارنج. أما ماء الزهر فلا يحتوي إلا على الجزء القابل للذوبان في الماء من هذه الجزيئات، ولذلك فهو ألطف بكثير من الزيت العطري، وهو ما يفسّر إمكانية استعماله من طرف فئة أوسع من الناس.
فوائد زهر البرتقال
1. تهدئة التوتر والعصبية
هذا هو الاستعمال الأكثر توثيقاً. فبفضل غناه باللينالول وأسيتات اللينالِيل، يُستعمل زهر البرتقال تقليدياً في حالات التوتر والعصبية والقلق الخفيف ورهبة المواقف. وعند استنشاقه أو نشره في الجو، ترتبط رائحته بالإحساس بالاسترخاء وتباطؤ نبضات القلب. ولهذا السبب كثيراً ما يُقدَّم للضيوف في البيوت المغربية كأس ماء معطّر بالزهر.
2. المساعدة على نوم هانئ
الاستعمال التقليدي الأكثر شيوعاً في بلدان المغرب العربي هو شرب منقوع الأزهار المجففة أو ملعقة كبيرة من ماء الزهر المخفف قبل النوم. والنبتة ليست منوّماً، بل تعمل على تخفيف الانشغال الذهني الذي يؤخّر النوم، مما يجعلها مناسبة بشكل خاص للأرق المرتبط بصعوبة الخلود إلى النوم بسبب هموم اليوم.
3. تخفيف اضطرابات الهضم ذات المنشأ العصبي
تُستثمر الخصائص المضادة للتشنج لشجرة النارنج في مواجهة الانتفاخ والتشنجات المعوية والتهاب القولون و«عُقد المعدة» المرتبطة بالقلق. وعملياً، كثيراً ما يُمزج زهر البرتقال مع الترنجان (المليسة) أو البابونج أو اللويزة لتحضير منقوع هاضم بعد الأكل.
4. العناية بالبشرة
في مجال التجميل، يُستعمل ماء الزهر كغسول منعش لطيف. وهو مناسب بشكل خاص للبشرة الحساسة أو الناضجة أو الجافة، إذ يساعد على تهدئتها ويمنحها عطراً رقيقاً. أما النيرولي فيُقدَّر لمفعوله المجدّد للخلايا والمضاد للأكسدة، لكن يجب تخفيفه دائماً.
5. تلطيف الجهاز التنفسي
بفضل احتوائه على مركّبات متطايرة كاللينالول والنيرول، يُستعمل زهر البرتقال تقليدياً عن طريق الاستنشاق لإرخاء المجاري التنفسية وتخفيف تهيّج الحلق، وغالباً ما يُقرن بالعسل.
طريقة استعمال زهر البرتقال والجرعة
على شكل منقوع
احسب حوالي ملعقة صغيرة من الأزهار المجففة (أي من 1 إلى 2 غرام) لكل فنجان من 200 مل من الماء الساخن قبيل الغليان. غطِّ الفنجان واتركه منقوعاً من 5 إلى 10 دقائق للاحتفاظ بالمركّبات العطرية، ثم صفِّه. ويُعدّ تناول فنجان إلى ثلاثة فناجين يومياً، أحدها مساءً قبل النوم، استعمالاً شائعاً.
على شكل ماء الزهر (هيدرولات)
عن طريق الفم، يقوم الاستعمال التقليدي على تخفيف ملعقة كبيرة من ماء الزهر في كأس كبيرة من الماء، تُشرب قبيل النوم أو بعد الأكل. وللاستعمال الخارجي، يُوضع ماء الزهر صافياً على الوجه بقطعة قطن صباحاً ومساءً. اختر ماء زهر صالحاً للأكل، طبيعياً 100%، خالياً من الكحول والنكهات الاصطناعية، فكثير مما يُباع في المتاجر الكبرى تحت اسم «ماء الزهر» ليس سوى منكّهات.
على شكل زيت النيرولي العطري
يقتصر استعمال الزيت العطري على الاستعمال الخارجي. وللتطبيق على الجلد، يُخفَّف بنسبة 1 إلى 2% في زيت نباتي، أي من قطرة إلى قطرتين لكل 10 مل من الزيت الحامل. وعند نشره في الجو، يُنصح بعدم تجاوز 15 إلى 20 دقيقة في الساعة. ولا يجوز أبداً ابتلاع الزيوت العطرية دون استشارة أحد مهنيي الصحة المكوَّنين في العلاج بالزيوت العطرية.
الاحتياطات وموانع الاستعمال
يُتحمَّل زهر البرتقال جيداً عند تناوله منقوعاً أو على شكل ماء زهر صالح للأكل. غير أن بعض التحفظات تبقى واجبة، خاصة بالنسبة للأشكال المركّزة:
- الحمل والرضاعة: لا يُنصح بزيت النيرولي العطري خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل. وبالنسبة لأي شكل مركّز، استشيري طبيبك.
- البشرة الحساسة: الزيت العطري قوي وقد يسبب التهيّج، لذا يجب تخفيفه دائماً في زيت نباتي وتجربته على باطن المرفق.
- النعاس: قد يزيد المفعول المُرخي من الشعور بالنعاس. احذر قبل القيادة أو استعمال الآلات، وعند الجمع بينه وبين الأدوية المهدّئة أو المضادة للقلق.
- الأطفال الصغار: الزيت العطري غير مناسب للرضّع والأطفال الصغار دون استشارة طبية. ويُفضَّل لهم عموماً ماء الزهر لأنه ألطف بكثير.
- العلاجات الجارية: قد تتداخل مستخلصات Citrus aurantium المركّزة المستخرجة من الثمرة، والغنية بالسينفرين، مع بعض علاجات القلب والأوعية الدموية. أخبر طبيبك بكل ما تتناوله.
- الحساسية: نادرة، لكنها ممكنة لدى الأشخاص الحساسين للحمضيات.
وكما هو الحال مع أي نبات، يُستحسن اعتماد دورات قصيرة واختيار منتجات معروفة المصدر. ويجب أن يذكر ماء الزهر الجيد الجزء المقطَّر (الأزهار)، والاسم العلمي، وخلوّه من المواد الحافظة الاصطناعية.
أسئلة شائعة حول زهر البرتقال
ما الفرق بين ماء الزهر والنيرولي؟
كلاهما ناتج عن تقطير الأزهار نفسها، لكن النيرولي هو الزيت العطري الشديد التركيز الذي يطفو على السطح، بينما ماء الزهر هو الماء الزهري المتبقي، وهو ضعيف المحتوى من المواد الفعالة. يمكن شرب ماء الزهر مخففاً، أما الزيت العطري فلا.
هل يمكن شرب ماء الزهر كل يوم؟
بالجرعات التقليدية المستعملة في الطبخ (ملعقة كبيرة مخففة)، يُعدّ الاستعمال اليومي شائعاً في المغرب ويُتحمَّل عموماً بشكل جيد. تأكّد فقط من أنه ماء زهر حقيقي صالح للأكل وليس منكّهاً اصطناعياً، وخذ فترات راحة إذا كنت تستهلك منه كميات كبيرة.
هل يساعد زهر البرتقال فعلاً على النوم؟
لا يُحدث النوم كما يفعل الدواء. وتكمن قيمته في مفعوله المُرخي: فبتخفيفه للعصبية والتوتر المسائي، يسهّل الخلود إلى النوم لدى الأشخاص الذين يرتبط أرقهم بالقلق. وفي حالة الأرق المزمن، تبقى الاستشارة الطبية ضرورية.
خلاصة
بين الموروث الغذائي ووصفات الجدّات، يحتل زهر البرتقال مكانة متميّزة في الثقافة المغربية. ويفسّر طابعه العطري الذي يغلب عليه اللينالول مفعوله المهدّئ على الجهاز العصبي والنوم وعسر الهضم، فيما يشكّل ماء الزهر مدخلاً لطيفاً وفي متناول جميع أفراد الأسرة. وكما هو الشأن دائماً في التداوي بالأعشاب، فإن جودة المنتج واحترام الجرعة هما ما يصنع الفرق.
للمزيد من المعلومات
- تعرّف أكثر على الخصائص النباتية لشجرة النارنج (Citrus aurantium) على ويكيبيديا.
- اللويزة: الفوائد والجرعة والاحتياطات
- البابونج: الفوائد والجرعة والاحتياطات
- الترنجان (المليسة): الفوائد والجرعة والاحتياطات
- الخزامى: الفوائد والجرعة والاحتياطات
هذا المقال مقدَّم لأغراض إعلامية فقط ولا يغني عن استشارة الطبيب. استشر أحد مهنيي الصحة قبل الشروع في أي دورة علاجية، أو في حال الخضوع لعلاج، أو الحمل، أو الرضاعة، أو الإصابة بمرض مزمن.




